أجل هي نفسها تلك المرأة,لكن لم يعد هناك ذلك الكم الهائل من الصبر.
أصبحت غضوبة و لم تعودي تفهمين كيف يكون الإنسان قادرا إلى الحلم و الطيبة ….كيف يمكنه أن يشعر باليقين, أي يقين.
تسترجعين .
بكل عنفوان سنواتك الثلاثين تشعرين بالشيخوخة,كل صور الحياة أصبحت تلتقطينها بألوان الخريف,أنه يكاد يخيل إليك أنك لم تعودي تعرفين الشمس .
ـ هل تحسين بي و لو قليلا؟ حرام ألا تحسي بي كما أحس بك .أبدا.لم تكوني تعرفين ـ قبل اليوم ـ الآلام التي يحسها من يغلق بابه في وجه الآخر.
لكأنك تحسين الموت في قلبك,لم تعودي قادرة على الإتيان بالمشاعر.
تحسين بالخوف . الليل يهبط على هذا البيت الكبير . تنادين أمك ,تحسين بالفجيعة ,تضربين الجدران بقبضتك ,,,تحسين بالحقد عليها لأنها لم تجبك ,لم تسمعك .
لا تفهمين لما هي لا ترد .
بلى ,تفهمين و تقبلين لأن القوة تعوزك ,للرفض,,,القوة غادرتك منذ رأيت ذلك الصف الطويل من القبور,,,ثلاثة عشر قبرا.
يعود كل شيء ,الصرخات ,كل الصرخات ,و بريق النصال الحادة في الظلام و صوت سقوط الأجسام المغدورة على الأرض, والوجوه ,رباه تلك الوجوه و الدماء عليها و العيون تحدق في اللاشيء,وتلك النظرات المستجدية.
يعود لك كل ما أردت الاحتفاظ به دفينا في أعماقك .
ـ هل تحسين بي ولو قليلا ,حرام أن لا تحسي بي كما أحس بك , تعود لك هذه العبارة كذلك وأيضا.كأنها شرارة نور ونار تأتي إليكك من نجم بعيد إلى أرض يسكنها الظلام و الصقيع.
تعود لك صورة أخيك الأكبر ,نفس الصورة التي رايته عليها في منامك .
كنت تعانقينه باستماتة وتبكين على كتفه بحرقة مفجعة ,
تسألينه أين أنت وأين أبي وأمي وأخوتي وأخواتي البنات ؟لقد قالوا لي أنكم متم ـ هل صحيح أنكم متم؟
ـ نحن لم نمت لقد كان سفرا صغيرا و ها نحن نعود ,قال لك ذلك وهو يبتسم محاولا التملص من سجن ذراعيك بكل لطف .
ـ هل تحسين بي و لو قليلا ,حرام ألا تحسي بي كما أحس بك .
أنت الآن أمام المرأة تنظرين ,,,تندهشين لعدم رؤية أخيك الأكبر داخل دائرة ذراعيك , أنت تعانقين نفسك,تحسين بألم ما ,تتحسسين مكانه .
أنها البقعة التي استخرجوا منها السلك الصديء المتلولب .
لم يصدقوك حينما قلت لهم أن هناك رصاصات ما اخترقت جسدك ,لقد اعتقدوا أن هول الصدمة قد أفقدك صوابك و أنك لم تعودي تعين ما تقولينه أم تراهم قد أحسنوا الظن فيمن فتح بطنك بتلك الآلة البشعة ,بأنه لم يكن بإمكانه أن يرميك بالرصاص أيضا.
لم يكونوا معك ليلتها .
كما في لحظة استسلام ,تدعين جسدك يسقط على الأرض .
ـ هل تحسين بي ولو قليلا ,حرام ألا تحسي بي كما أحس بك .
تحسين ببرودة البلاط تسري في جسدك ,يقشعر بدنك .
تتذكرين كيف زحفت تلك الليلة على ظهرك ,,,الدماء الهاربة من شرايينك و محتويات أمعائك التي تدفقت على حواف الجرح كنت تنظرين أليها و كأنها دموع لحظة شقاء تافهة ,أو كأنها رشح زكام .
ـ "اسمعي إن البنات و الأمهات ينقلن الحياة الواحدة من الأخرى جيلا بعد جيل ".كانت تتكلم بصعوبة ,,كانت تختار الكلمات عميقا في قلبها ,كانت ممتدة على الأرض ,يدها اليمنى على قلبها حيث كانت تنزف الدماء ,ويدها اليسرى كانت تمسك يدك بقوة ,لكأنها كانت تعطيك من نفسها كي تعيشي ,,لم تكوني ترين وجهها ,,وضعك لم يكن يسمح لك برفع رأسك و لو قليلا لتريها ."لا أريد أن أكون مثل تلك الشجرة التي تتوقف فجأة عن الإيراق ,وأن كنت أنجبتكم أنت و أخوتك فلكي أستمر من خلالكم بعد موتي و لا يكون موتي نهائيا."
ثم ,في لمح البصر ,انقطع الدفء الذي كانت يدها تمدك به ,وارتخت قبضة يدها.
مددت يدك إلى صدرها ،،هذا الصدر الذي أفرز لك لبن الأم و أحبك ملء القلب ،،ها أنت غير قادرة على أن تذرفي له و لو دمعة.
ـ هل تحسين بي ولو قليلا ,حرام أن لا تحسي بي كما أحس بك .
هل الطبائع الأرضية هي التي تحجبنا عن النفس في صورتها المثلى ؟هل هي مصالح الأنا تقف أعراضا ساترة تحول بيننا و بين القلب كما هو ؟
حتى الحديد الصلب يخضع لقوة جذب المغناطيس,,ببصيرة عقلك ترين بكل وضوح آيات الاستحسان الروحاني الذي أنت موضوع له ,لكنك لا تستطيعين التخلص من هذه الطبقة الدرنة المتليفة حول قلبك تحول دونه ودون وصول إشعاعات الحياة إليه .
تعودين إلى الطاولة ,تأخذين القلم من جديد,,تفكرين قليلا ثم تصيغين طلب مهلة في محاولة تشييد جسور متينة تعودين من خلالها إلى الحياة.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية